الشيخ محمد النهاوندي
591
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
السّمّ ، فكيف يلتذّ المؤمن بلذائذ الدّنيا ، ويشتاق إليها ، وهو يعلم أنّه مفارقها ، وتبقى عليه تبعاتها ؟ التي أقلّها أن يقال له في الآخرة : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها « 1 » . وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ والمرجع من الجنّة ونعمها الباقية . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 15 ] قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) ثمّ بعد الإشارة الإجماليّة إلى فضيلة نعم الآخرة على نعم الدّنيا ، ذكر سبحانه أصول نعم الآخرة تفصيلا بقوله : قُلْ يا محمّد ، لامّتك : أَ أُنَبِّئُكُمْ وهل أخبركم بِخَيْرٍ وأحسن مِنْ ذلِكُمْ المشتهيات الدّنيويّة ؟ ثمّ لمّا كان السّؤال مقتضيا للجواب ، فكأنّه قيل في الجواب : نعم أنبئنا وأخبرنا ، فقال : لِلَّذِينَ اتَّقَوْا اللّه ، وخافوا عقابه في مخالفة أحكامه وعصيان تكاليفه ، وأعرضوا من الدّنيا ، وأقبلوا إلى الآخرة عِنْدَ رَبِّهِمْ اللّطيف بهم تفضّلا منه عليهم جَنَّاتٌ متعدّده لكلّ واحد منهم . وقيل : إنّ التعدّد بلحاظ تعدّد الأشخاص . ثمّ وصف نضارتها بأن لها أشجارا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الكثيرة ، أو الأربعة المعهودة ، حال كونهم خالِدِينَ ومقيمين فِيها أبدا ، غير خائفين من الخروج منها ، وزوال نعمها . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « شبر من الجنّة خير من الدّنيا وما فيها » « 2 » . ثمّ لمّا كان من تمام النّعمة الزّوجة الصّالحة الموافقة الأنيسة ، بشّر اللّه المؤمنين بها بقوله : وَ لهم أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ منزّهة ، طهّرهنّ اللّه من دنس الحيض والنّفاس والكثافات « 3 » الجسمانيّة ، ونزّههنّ من العيوب والأخلاق السّيّئة ؛ كالحسد والغضب والطمع والنّظر إلى غير أزواجهنّ . ثمّ بشّرهم بعد النّعم الجسمانيّة بأعلى النّعم الرّوحانيّة بقوله : وَرِضْوانٌ عظيم لا يوصف ببيان ، كائن مِنَ اللَّهِ من تجلّي أنوار جلاله تعالى ، الذي هو أقصى الآمال ، وأعلى الحظوظ ، ومنتهى الكرامة للمؤمن وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ المتّقين ، فيثيبهم على حسب درجاتهم ، ويجازيهم على قدر زهدهم في الدّنيا ، وإقبالهم إلى اللّه ، وقيامهم بوظائف العبوديّة .
--> ( 1 ) . الأحقاف : 46 / 20 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 10 . ( 3 ) . يريد بها الأوساخ .